أبي طالب المكي

89

علم القلوب

( ى ) يرى بنور الجنان ما من عليه الرحمن من الأفضال والامتنان ، ويميل بالكل لكل الكل في كل الأحوال إلى رضى الكل بالكلية بالقلب واللسان ، ويأوى في جميع الأوقات والحركات إلى باب المستعان للاستعانة وطلب الأمان ، وهذه إشارة واحدة من بيان معاني حروف بَلى ، وفيها [ من ] لطائف الحكم ما لا يعلمه إلا اللّه . وقال سهل بن عبد اللّه : إن الذر يوم الميثاق أجابوا رب العالمين بذهن الروح ، وفهم [ العقل ، وفطنة ] القلب ، فبذلك وقع عليهم الحجة من الرب . وقال يحيى بن معاذ الرازي : لما أخرج اللّه الذر من صلب آدم ، أوقفهم في الهواء ، وخاطبهم مخاطبة من يعقل ، ويرى مخاطب [ ة ] الأرواح بأفهام حاضرة ، وأسماع سماعه ، وأبصار ناظره ، إلى لطيف لطائف القدرة ، فسمعوا خطاب الحق ، ونظروا إلى عظمة الحق ، ورأو الجنة والنار ، وفهموا العهد والميثاق ، فأقروا بالتوحيد للواحد ، وبالطاعة « 1 » للمعبود الصادق ، فربما وقع على العبد الحزن وهو لا يدرى وجهه ، وذلك يكون [ ل ] تذكير الروح بما أخذ عليه من العهد والميثاق في الذر ، فحزنه يكون للتقصير . وربما بكى وهو لا يعرف وجه بكائه ، وذلك يكون بذكره رؤية النار في الذر ، فبكاؤه لذلك ، وربما نظر إلى شئ مستحسن من الحيوانات ، والموات ، والخضرة ، فيستفزه الفرح ، وذلك لما ذكر من رؤية الجنة يوم الذر ، وربما نظر إلى عبد قد أودع اللّه فيه الإيمان ، وزينه بزينة الإتقان ، فركبه التعظيم والهيبة ، وذلك ذكر روحه لما تقدم له من النظر إلى عظمة الرب يوم الذر ، وربما سمع النغمة الطيبة ، ويستحليها ، ويستلذ بها ، وذلك ذكر روحه لما كان يوم الذر من خطاب الحق له في الذر . وقال سهل : لما كان يوم الذر ، استخرج اللّه الأنبياء ، عليهم السلام ، من ظهر آدم ، ثم أخذ عليهم أن يبلغوا عن أمر اللّه أمره ونهيه ، وأن يصدق بعضهم بعضا ، وينصر بعضهم بعضا ، وذلك هو الميثاق الغليظ الذي قال [ فيه ] : وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [ النساء : 154 ] ، فأقروا بذلك . ثم أخذ على جميعهم الميثاق أن يصدقوا بمحمد ، عليه السلام ، وينصروه « 2 » ،

--> ( 1 ) في الأصل : وللطاعة . ( 2 ) في الأصل : ينصرونه .